ابن العربي
446
أحكام القرآن
هو العلم الصريح ، والفقه الصحيح ، والأصوب بالتصحيح ؛ ألا ترى أنه لو وجده بزائد على قيمته جعله معدوما حكما ، وقيل له تيمّم . ويتبين أنّ المراد الوجود الحكمي ، ليس الوجود الحسّى ؛ وعلى هذا قلنا : إنّ من وجد الماء في أثناء الصلاة ، إنه يتمادى ولا يقطع الصلاة ، خلافا لأبى حنيفة حيث يقول : يبطل تيمّمه ؛ لأنّ الوجود لعينه لا « 1 » يبطل التيمم ، كما لو رأى الماء وعليه لصّ أو سبع ، أو رآه بأكثر من قيمته لم يبطل تيمّمه ، وإنما يبطل التيمم بوجود مقرون بالقدرة ، وإذا كان في الصلاة فلا قدرة له إلا بعد إبطالها ، ولا تبطل إلّا بعد اقتران القدرة بالماء ، فلا بطلان لها ؛ وهي مسألة دورية ، وقد حققناها في كتاب التلخيص فلتنظر فيه ؛ وعلى هذا تنبنى مسألة ؛ هي إذا نسي الماء في رحله ، وقد اجتهد في طلبه ، فإنّ الناسي لا يعدّ واجدا ولا يخاطب في حال نسيانه ؛ فلذلك قلنا في أصح الأقوال : إنه يجزئه . المسألة الثامنة والعشرون - قوله تعالى : ماءً : قال أبو حنيفة : هذا نفى في نكرة ، وهو يعم لغة ؛ فيكون مفيدا جواز الوضوء بالماء المتغيّر وغير المتغير ؛ لانطلاق اسم الماء عليه . قلنا : استنوق « 2 » الجمل ! الآن يستدلّ أصحاب أبي حنيفة باللغات ، ويقولون على ألسنة العرب ، وهم ينبذونها في أكثر المسائل بالعراء ! واعلموا أنّ النفي في النكرة يعمّ كما قلتم ، ولكن في الجنس ؛ فهو عامّ في كل ما كان من سماء أو بئر أو عين أو نهر أو بحر عذب أو ملح ؛ فأما غير الجنس فهو المتغير ، فلا يدخل فيه ، كما لم يدخل فيه ماء الباقلّاء . وقد مهّدنا ذلك في الكلام على منع الوضوء بالماء المتغيّر بالزعفران في كتاب التلخيص . ومن ها هنا وهم الشافعي في قوله : إنه إذا وجد من الماء ما لا يكفيه لأعضاء الوضوء كلّها أنه يستعمله فيما كفاه ويتيمم لباقيه ؛ فخالف مقتضى اللغة وأصول الشريعة .
--> ( 1 ) في ا : ولا . ( 2 ) استنوق الجمل : صار كالناقة في ذلها . وهو مثل يضرب للرجل يكون في حديث أو صفة شيء ثم يخلطه بغيره وينتقل إليه . ( اللسان - نوق ) .